الفصل الثالث من رواية الضيقة العظيمة

ثلاث سنوات مضت.
مرة أخرى، رجع الوعي لي شيئا فشيئا. وللحظة، كنت ناسية أين أنا ونسيت كل ما حدث. استمر الأمر هكذا لبضع ثوان، لكنها بدت وكأنها الأبدية لي، حتى سقطت عيناي الزائغة على جسد مارك الذي كان غارقا وسط بركة من دمائه. وبعدها تذكرت كل شيء.

تذكرت السرقة، وتصويب مارك بندقيته إلى الرجل الأول وأيضا كيف أصيب بذلك الجرح في رأسه. هذا عندما أمسكته العصابة، عندما كان يحاول أن يتملص منهم ويتخلص من قبضتهم. لقد نجح لحسن الحظ، لكنه سقط، وللأسف وقع برأسه على بقايا زجاج متكسر على الأرض وهذه الكسر الصغيرة جرحته بشدة.


لم أستطع التحرك. كان زوجي يموت أمامي لكني لم أستطع أن أتحرك قيد أنملة. كان الظلام في كل مكان. لكني كنت أشعر وكأني أعرف هذا المكان المعتم. ربما إن إستطعت إكتشاف أين كنا، لما كنت أقابل إبناي راندي وجاكسون مرة أخرى. فلو إستطعت أن أتحرر من الحبال حول يداي، لكنت أستطعت أن أتحامل على نفسي وأخذ مارك لنتوجه لأقرب مستشفى بأقصى سرعة. ففي ذلك الوقت، كانت المستشفيات ماتزال تعمل جيدا. لكن كان هذا ليؤدي إلى عدم رؤيتي أولادي مرة أخرى.

كان الألم الذي كان جسمي يصرخ به يجعلني أتمنى الموت كل لحظة. إلى أن سمعت شيئا.
أغلقت عيني حتى أسمع أفضل...
... وفتحتهما مرة أخرى عندما شعرت بأحد يهزني بنعومة. حاولت أن أصرخ. فقد فكرت لأول وهلة أن لابد أن يكون أحد اللصوص الذين هاجمونا.

"لا، لا إهدئي" هكذا سمعت الصوت الذي كان صاحبه مايزال يهزني برفق.

ببساطة فتحت عيني ورأيت شخصا آخر منحني على جسد مارك.

قلت صارخة: "إبتعد عنه!"

وبعدها عاد وعيي كاملا، وفهمت ما يجري، وكان أول رد فعل لي هو الدموع. كانت دموع فرحة ودموع حزن في ذات الوقت.

كان طفلاي واقفين أمامي. كنت سعيدة جدا أن أراهما هما الإثنين أخيرا!

"ستكونين بخير يا أماه" هكذا قال جاكسون محتضني بكلتا يداه. لقد شعرت أخيرا بالراحة.

وبسرعة، حل جاكسون وثاقي وأسرعنا نحن الإثنان إلى أخيه الذي كان مايزال منحنيا على ركبتيه بجوار مارك.

مازال النبض يعمل في جسد مارك وتمكن راندي أن يوقف النزيف بواسطة ربط رأس مارك بقطعة قماش.

ومن هناك، خرجنا نحن الثلاثة بمارك مسرعين من المنزل إلى أقرب مستشفى وجدناها.
***

أخبرتنا الممرضة بأن مارك سيصبح بخير، وهذا ما جعلنا أخيرا نشعر بالإرتياح.

بعدئذ مرت لحظة صمت غريب. لم نعرف - أنا وأبنائي - ماذا نقول أو ماذا نفعل، لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة رأينا فيها بعضنا البعض..

أخيرا، كسرت جليد الصمت وسألتهما أين كانا يعيشان. أخبراني أنهما كانا يعيشان مع ألن.

ألن؟ فكرت للحظات. ثم سألتهما "هل هو بخير؟"

تبادلا نظرات سريعة، غير متأكدين إن كنت مهتمة بأمر ألن فعلا. لذلك كررت السؤال. بعدها أخبرني جاكسون أن ألن مات.

"كيف مات؟" هكذا سألتهما بعد لحظات طويلة من الصمت المطبق

 رد جاكسون: "في زلزال. لقد سقط في واحد من الزلازل الكثيرة"

لم أستطع التحكم في عيني، لقد سقطت الدموع غزيرة. لقد مات ألن، وقد مات بطريقة بشعة. لم أحصل قط على فرصة لأخبره كم أنا آسفة بسبب الألم الذي تسببت له به.

أعتقد أن أطفالي شعرا بمقدار الألم الذي كنت أعانيه حيث شعرت بأياديهما تربت على ظهري بينما كنت أحاول تجفيف دموعي في منديل.

رجعت بظهري للوراء وشرحت لهما كم أنا آسفة. أوضحت لهما ندمي على كل شيء فعلته. وبعد كثير من الحديث معهما، عرفت الآن مقدار شجاعة راندي في مواجهة وتحسين حياته البائسة! لقد كانت أخبارهما المفرحة هذه كالموسيقى العذبة في أذني! لقد رأيت كيف كان مخلصا تجاه الرب في كل شيء. بكيت، وبكيا هما الإثنان معي.

عادت الممرضة وأخبرتنا أن مارك قد عاد لوعيه وسأل عني. ذهبنا كلنا لنرى مارك وبعد ذلك شرحت له كل ما مر به أبنائي.

بكيت هذه المرة، ليس بسبب ما فعلته ضدهما، لكن لأنهما أدركا ماذا فعلا تجاه الحياة التي منحها يسوع لنا عندما مات على الصليب من أجل خطايانا. وكيف سرنا كلنا عكس مسرته وضد مشيئته بعد كل ما قاساه من أجلنا.

بكينا كلنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليق على أي من مقالات هذه المدونة يحفزني على نشر المزيد من المقالات المفيدة، يمكنك التعليق بأي حساب يمكن إختياره من القائمة المنسدلة