أنت لست صغيرا، ولو صغير فإنك تفرق كثيرا

كثيرا ما ينتابنا جميعا إحساس بصغر النفس والدونية، وأحيانا قليلة نشعر ببعض الإنجاز في هذه الحياة، ربما مرد ذلك كله ينتج عن عدم تحقيق الفرد منا لجميع ما يصبو إليه ويتمناه، لكن أعرف وأريدك أن تعرف أنك - صديقي العزيز - لست صغيرا كما تظن، وحتى لو صغير، فوجودك في هذه الحياة على هذا الكوكب قصد منه أن تقدم فرقا ولو بسيطا في حياة أحدهم أو حياة كثيرين. ودورك هو أن تثمن من لحظات إنجازك وتستمتع بها وتحاول أن تكثر منها حتى تشعر بالقيمة الحقيقية، صحيح أنك كشخص لك قيمة كبيرة، لكن إنجازاتك توضح هذه القيمة لك وتبرزها للناس في أجلى صورة.

أحسست في أحيان كثيرة بإنجازات ولو بسيطة، كنت أثمن منها كثيرا، ربما قراء مدونتي الأعزاء يشعرون بهذا، فهذه المدونة ليست تعليمية مع أن بها بعض التعليم، وليست أدبية مع أنها تحتوي في بعض مقالاتها على محاولاتي القصصية والشعرية والأدبية عموما، وليست مجرد مدونة أفردتها لمقالات الرأي، مع أني كتبت بها العديد من أرائي في بعض الأشياء والأحداث، وليست دينية، مع أن الدين المسيحي فيما يبدو كان ذا النصيب الأكبر - نصيب الأسد إن جاز التعبير - في مقالات هذه المدونة، فهي خليط من كل هذا معا، يضاف إلى هذا كله أني أكتب فيها بعض من يومياتي. وأريد في السطور التالية أن أكتب لكم يومية بسيطة أشعرتني أني كنت فارقا في حياة أحدهم..

فمنذ يومين، أرسل لي أحد أعضاء موقع حسوب IO رسالة يسألني فيها عن قصيدتي "إنت قريبي" وهي قصيدة عامية نشرتها مرة على حسابي بموقع الفيس بوك، هذا قبل أن أحذفه (أنشأت حسابا آخر وحذفته أيضا، وأنا اﻵن بلا حساب في ذلك الموقع، وأرى أن هذا أفضل جدا)، تعجبت جدا من طلب هذا الصديق الغريب، فهذه القصيدة لم تنشر إلا في حسابي بموقع الفيس بوك، ولم أقلها إلا مرة واحدة في كنيسة بلدتي الصغيرة، حينها كنت أظن أن لا أحد سيعجب بها، مع أنها سهلة الفهم وبلغة عامية، وهذا بسبب أن المقصود بكلمة قريبي هنا هم الدواعش الذين قتلوا منا (المسيحيين عموما والأقباط خاصة) الكثير ومازالوا.. وقبلها بأيام كانوا قد قاموا بحادثة إرهابية قتلت منا الكثير ممن لا ذنب لهم في أي شيء له علاقة بالسياسة، هذا فقط ﻷنهم مسيحيين. فتعجبت جدا عندما هتف جميع الحضور وصفقوا بأيديهم لمدة دقيقة متواصلة، وشعرت حينذاك بشعورين: أولهما أن القصيدة لم تكن سيئة كما كنت أظن، ثانيهما أن هذا الشعب طيب وصبور على كل ما يبتليه ويستطيع فعلا تذكر وطاعة كلمات المسيح في وصيته القائلة ب "أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلوا ﻷجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم."

قضيت اليومين الماضيين في مراجعة الصور وصور الشاشة في هاتفي وفي الحاسوب وأيضا في خدمة التخزين السحابي "صور جوجل" لكن لم أجد إلا أربعة أسطر من هذه القصيدة، قلت أكتبهم هنا حتى أصل للقصيدة كاملة ولو بالصدقة، وألبي طلب صديقي بموقع حسوب أي أو، هاكم ما وصلت إليه:

حتى لو هتموتني ف عرض تدريبي
وبفرض إنك بتقولي دون
*وبتختصرني ف حرف نون
إنت قريبي

(*) فكرة حرف النون تتلخص في أنه عندما كان الدواعش يعلمون بيوت المسيحيين في العراق لينهبوها أو ليقوموا بأخذ الجزية منهم أو ﻷي شيء آخر من أفعالهم الشريرة، كانوا يكتفون بكتابة حرف نون كبير على أحد الجدران الخارجية للبيت المعني.

غاية هذا المقال كما أخبرتك عزيزي القارىء هو أن تشعر نفسك بإستمرار أنك لست قليلا، وأنك مؤكد تفرق في حياة أحدهم، ضم إنجازاتك الصغيرة معا، وستجد أنك تفرق كثيرا بإنجازاتك المجمعة!

هناك تعليقان (2):

  1. تدوينة رائعة صراحة اتفق مع مضمونها تماما لدا احببت شكر كاتبها

    ردحذف

التعليق على أي من مقالات هذه المدونة يحفزني على نشر المزيد من المقالات المفيدة، يمكنك التعليق بأي حساب يمكن إختياره من القائمة المنسدلة