الثلاثاء، 5 مارس، 2013

عندما زارنا اللاجىء السورى!

أعتذر عن عدم وجودى السنة والنصف الماضية ( بعد المراجعة الدقيقة بعد كتابة هذا المقال وجدت فترة غيابى وصلت الى 22 شهر!! ) ، وذلك لأسباب تقنية خارجة عن ارادتى، حيث اننى لم أستطع أيضا الدخول الى حساباتى فى ايميل الجيميل وموقع الفيس بوك وغيرهما الكثير.

اليوم، فى الحقيقة منذ ما لا يزيد عن ساعة من كتابة هذه السطور كنت أجلس مع لاجىء سورى ومعنا بعض أقاربنا، حيث بعدما أتيت من المعهد وحينما كنا نأكل السمك، جاءت احدى قريباتنا وقالت لأمى : فيه دكتور سنان برة عند فلان لو عاوزة تركبى أسنان بدل اللى ملخلع عندك :)

ذهبت أمى أولا عند بيت قريبنا المذكور سابقا "فلان" وهو بيت لصيق ببيتنا، وكنت أكل أنا وأبى وقلت له: لو كان مصريا هذا الدكتور لدفع غرامات كثيرة لأنه بالتأكيد يزاول مهنته بدون ترخيص، ويارب لا يحدث له شىء من هذا القبيل، فاللاجىء السورى أيا كان، شرب المرار فى بلده، وشربها أو سيشربها فى بلدان الآخربن مهما كانت البلدة المستقبلة له من أشقاء سوريا. وحكيت لأبى عن المواطن السورى الذى عندما ذهب للأردن فى الأحداث الأخيرة، حصل على الجنسية الأردنية، ولهذا السبب لم يحصل على معونات من منظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة باعتباره مواطن أردني، فاضطر لأن يسرق مكان ما فى الأردن ليطعم أطفاله وعائلته وبعدها سلم نفسه للشرطة الأردنية!

المهم بعدما أنهيت طعامى ذهبت وراءها ووجدت طبيب الأسنان السورى، هو قارب على الأربعين من عمره، ذو عينين خضريين "ويبدو أن هذه الصفة موجودة كثيرا عند أهل الشام" ، يلبس بنطال جينز وقميص ملون!
قلت: مساء الخير، ورد على الحاضرين ومنهم هذا الدكتور السورى.
أنا لا أعرف شيئا عن تركيب الأسنان، لكن لعلمى أن الأمكانيات لدى معظم الأطباء العرب ليست حديثة بل ومتواضعة، فكنت أعرف أن تركيب الأسنان سيبقى على جلستين، لكننى قرأت عن امكانية حدوث هذا فى جلسة واحدة فقط لتركيب الأسنان ، ولا أدرى أين بالضبط قرأت هذا على الأنترنت.

قلت له: لقد قرأت عن تصنيع السن فى نفس الجلسة، بواسطة آلة استنساخ، وهى كآلة التصوير أو الطباعة، لكنها بالطبع ثلاثية الأبعاد!
لم يكذبنى الرجل وقال: ربما، لكن ليس بالدول العربية، سنستخدم هذه الآلة بعدما يشبع منها الأوروبيون أولا!

نزع الدكتور سن أمى، بشىء لا أدرى ما هو، ربما الكماشة مثلا :) المهم رأيت فم أمى ينقصه بضع أسنان، اذن على ما أعتقد هذه هى السن الأخيرة.

هنا تحولت بالحديث الى السياسة: على فكرة، من سيأتى بعد بشار - ان رحل - سيكون أقبح وأفظع منه!
- بشار دمر وخرب البلد.
- صحيح ولكن من سيأتى بعده سيخربها ويدمرها أكثر منه. والدليل ما تفعله المعارضة المسلحة الآن فى سوريا، وما يفعله الاخوان الآن فى مصر.
- لا أنتم فى مصر لابد وأن تحمدوا الله كثيرا، لأن لديكم ال"مرسى"، فهو منتخب ولم يضرب فى شعبه قط! كما أنه يمنحكم مزيد من الحرية.
- لا أظن هذا، فكل يوم هناك شهداء وجرحى من المعارضة! أعتقد أن الاسلاميين اذا قفزوا على ثورة سوريا ستصبح سوريا مثل مصر فى وقت أقل، لا تنسى أن المعارضة المسلحة لديكم فى سوريا منها من هو اسلامى ألمانى مثلا، أتفهم قصدى؟ أما عن الحرية، فأنا أتحدث معك فى السياسة الآن لأننى أتمتع بقدر معين من الشجاعة، صحيح أن بعض الأحرار يتحدثون بحرية، لكن منهم الكثير من قتل بواسطة الميليشيات الأخوانية ، وأنا الحمد لله لم أقتل بعد :)
- نعم، كلهم يبحث عن الكرسى.
- مهما كان، الوضع أيام بشار أفضل مما سيكون عليه أيام الاسلاميين.
سكت الرجل، فقلت له: على فكرة، أرأيت أمى ماذا كانت تفعل عندما رأيتنا نبدأ فى الحديث عن السياسة؟ انها كانت تريدنى أن أكف عن الحديث، لئلا يحدث لى شيئا ما بسبب كلامى الغير مقبول لدى النظام!
كان الرجل يبدل القطنة من مكان سن أمى المخلوع. فقال: نعم، صدقنى كلهم يحاربون على الكرسى، مما اضطرنى الى أن أبيع عربتى بعدما خسرت بيتى وعيادتى، بعت عربتى كى أستطيع المجىء هنا.
قلت فى سرى: لو كنت مكانك لسافرت الى تركيا أفضل!
قلت له: نعم أظن ذلك، وللأسف الوطن السورى سيكون من نصيب جماعة من التافهين بعد انقراض الشباب الأبرياء.
- نعم، لقد أردنا أن نعبر عن رأينا، وعندما فعلنا متنا.
- ولماذا لا تعبر عن رأيك؟ فأنت ضد بشار والمعارضة المسلحة معا!
- لكانوا قتلونى، ان لم يكن بشار فالمعارضة ستفعل.
- قصدى الآن، وأنت فى مأمن فى مصر هنا
سكت الرجل، وهنا تدخل فلان قريبى وقال: خليه هنا ياكل عيش فى حاله، واهو كده كده بعيد عن بلده، فمش مهم بقى اللى هيحصل هناك.
سالته أمى عن سعر تركيب الأسنان، وهم سبعة! فقال لها: سأخذ تلاتمية مقدم الآن، والباقى ربعمية بعدين.
قلت فى سرى: أى بواقع مائة جنيه لكل سن!
قلت: سامحنى، لكن كيف أدرى أنك ستأتى ثانية بعد أن تأخذ المال وتمضى؟
أيضا سكت الرجل، لم يجد جوابا مناسبا، مع أنه كان من الممكن أن يقول: لقد ركبت لفلان وفلانة فى شارعكم هذا أسنان، وهذا منذ أسبوع، لو قال لى هذا، لكان الرد كافيا، ندمت الآن على ازعاجه، فلقد سألته سؤالا محرجا، ندمى لأننى لم أكن أمتلك المعلومات الكافية، فأمى فعلا لم تكن أول واحدة يتعامل معها هذا الدكتور، ففعلا قد ركب أسنان لآخرين نعرفهم منذ أسبوع، لكننى لم أكن أدرى بهذا.
قال بعدها: لو كنت تعرف، فالأسد الأب كان أحن على الشعب من ابنه، صحيح أنه كان شيوعيا، ليس مسلما، لكنه أسلم بعد توليه الحكم، ولم يكن بقساوة ابنه.
أمن على كلامه  قريبى.
قال الدكتور: لكن نصيحة منى لك: لا تتحدث فى السياسة ثانية، فكلهم فى مصر أيضا يبحثون عن الكراسى، فلو كسب مرشحك، هل سيعطيك شيئا؟ خشبة من الكرسى مثلا؟ ليتنا لم نتكلم فى بلدنا، أيام بشار لم تكن بالجيدة، لكنها كانت مقبولة.
بعد كلامه هذا، سرحت شيئا ما، وقلت لنفسى: أحقا يجب ألا أعبر عن رأيى؟ هل هذا ما أتت به ثورة الخامس والعشرين من يناير؟ الخوف من حتى الادلاء بالرأى.
سألت الرجل سؤال ع الماشى: هل وجدت مسكنا لك ولعائلتك؟
- نعم وجدت مسكنا يؤجره لى فلان الفلانى ( من قريتى ) فى مدينة أسيوط ( فى أحد أحيائها ).
لاحظت فى كلامه أنه لم يكن شبيه بأهل لبنان كثيرا، فقلت له: أعتقد أن لهجتك قريبة من لهجة أهل العراق.
- صحيح أنا من الحدود بين العراق وتركيا، أنا من حلب.
ساعتها قلت فى سرى: لم لم تذهب الى تركيا بالله عليك :)
فى النهاية، أعطانا الدكتور ميعادا آخر حالما يصنع الأسنان على المقاسات المطلوبة، فيأتى ليركبها.